3 سفن تشعل التصعيد بين واشنطن وطهران

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفًا جديدًا مع تنفيذ واشنطن أوسع عملية عسكرية ضد أهداف إيرانية منذ بدء التصعيد الأخير، في رد مباشر على هجمات استهدفت ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، لتتراجع بذلك آمال تثبيت التهدئة التي سادت خلال الأسابيع الماضية.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول رفيع أن العملية الأخيرة جاءت أكبر بأربعة إلى خمسة أضعاف مقارنة بالضربات التي نفذتها واشنطن قبل نحو عشرة أيام، سواء من حيث عدد الأهداف أو حجم القوة المستخدمة.
وشملت الضربات منظومات الدفاع الجوي، ومراكز المراقبة الساحلية، ومنصات إطلاق الصواريخ المضادة للسفن وصواريخ أرض-جو، إضافة إلى قواعد للطائرات المسيّرة ومنشآت مرتبطة بالموانئ، في مؤشر على أن العملية استهدفت البنية العسكرية التي تعتمد عليها إيران في تأمين السواحل والتحكم بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وتزامنت الهجمات مع سماع انفجارات في عدة مناطق جنوب إيران، من بينها جزيرة قشم وبندر عباس ومدينة سيريك الساحلية، حيث أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع انفجارات متعددة وسقوط مقذوفات في محيط أرصفة تجارية ومرافئ صيد.
وجاءت الضربات الأمريكية بعد سلسلة هجمات استهدفت ثلاث سفن تجارية خلال يومي الاثنين والثلاثاء، أعادت التوتر إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وأكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن عملياتها العسكرية جاءت رداً على تلك الهجمات، مشددة على أن استهداف السفن المدنية في مضيق هرمز سيترتب عليه “ثمن باهظ”.
ووصفت واشنطن الهجمات البحرية بأنها تصعيد خطير وانتهاك واضح للتفاهمات التي هدفت إلى خفض التوتر، مشيرة إلى أن حماية الملاحة الدولية تمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها.
ومن بين السفن التي تعرضت للهجوم ناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية “الرقيات”، التي اندلع حريق في غرفة محركاتها، ما استدعى تنفيذ عمليات لإجلاء أفراد طاقمها. كما أفادت تقارير أمنية بتضرر ناقلة نفط ترفع العلم السعودي قبالة سواحل سلطنة عُمان، في حين أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تلقيها بلاغات عن هجمات طالت ناقلات في المنطقة.
في المقابل، نفت طهران مسؤوليتها عن استهداف السفن، ورفضت الاتهامات الأمريكية، معتبرة أنها تفتقر إلى الأدلة.
وبالتزامن مع الضربات، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الولايات المتحدة انتهكت التفاهمات القائمة بين البلدين، مؤكدة أن إيران سترد بصورة “حازمة” وتتخذ ما يلزم لحماية مصالحها وأمنها القومي.
ولم يقتصر التصعيد على الجانب العسكري، إذ ألغت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات من العقوبات كانت تسمح لإيران بتصدير النفط، وهو ما اعتبرته طهران تراجعًا عن أحد أهم بنود التفاهمات السابقة وإجراءً يتعارض مع مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين.
ومع اتساع رقعة التوتر، رفع مركز المعلومات البحرية المشترك، بقيادة البحرية الأمريكية، مستوى المخاطر في مضيق هرمز من “كبير” إلى “شديد”، محذرًا من احتمال تعرض السفن التجارية لأعمال عدائية متعمدة في ظل التصعيد المتواصل.
ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية للمضيق، الذي يمثل أحد أبرز شرايين تجارة الطاقة العالمية، إذ كانت تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب.
وأظهرت بيانات ملاحية استمرار تراجع حركة السفن في المضيق، حيث عبرت 16 سفينة فقط خلال الثلاثاء، مقارنة بمتوسط يومي كان يبلغ نحو 125 سفينة قبل اندلاع الأزمة.
وفي الأسواق، انعكس التصعيد سريعًا على أسعار الطاقة، إذ ارتفعت العقود الآجلة للنفط الأمريكي بنحو 3%، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط مستوى 72 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات واتساع دائرة المواجهة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التفاهمات التي خفضت حدة التوتر خلال الفترة الماضية تواجه اختبارًا غير مسبوق، بعدما تزامنت الهجمات على السفن مع تشديد العقوبات الأمريكية، والضربات العسكرية الواسعة، والتهديدات الإيرانية بالرد.
وفي ظل استمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأمن مضيق هرمز، وترتيبات الأمن الإقليمي، تبدو احتمالات العودة إلى اتفاق دائم أكثر تعقيدًا، بينما يبقى مسار الأزمة مرهونًا بطبيعة الرد الإيراني المقبل، ومدى استعداد واشنطن للمضي في جولات تصعيد جديدة.




